top of page

أزمات تواجه النمو الاقتصادي في جنوب إفريقيا .. من الزراعة إلى الكهرباء حتى البطالة

في خطاب حالة الأمة الذي ألقاه سيريل رامافوسا رئيس جنوب إفريقيا في بداية هذا العام، أشار بوضوح إلى أن أزمة تكلفة المعيشة أحد أكبر أربعة تحديات تواجه البلاد، ورغم اقتراب 2023 من نهايته فإن الأزمة لا تزال دون حل، بل إن حدتها في تصاعد.


أزمات تواجه النمو الاقتصادي في جنوب إفريقيا .. من الزراعة إلى الكهرباء حتى البطالة

جزء كبير من تلك المشكلة وما تمثله من ضغط على جنوب إفريقيا اقتصاديا واجتماعيا يعود إلى أن استهلاك الأسر يعد عنصرا رئيسا في إجمالي ناتج البلاد، حيث إنه في الربع الأول من هذا العام مثل نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم فإن تقلص الإنفاق الأسري نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات يترك بصمات سلبية على قدرة اقتصاد جنوب إفريقيا على النمو.

لكن قضية ارتفاع تكاليف المعيشة قضية دولية بامتياز، حيث تئن جميع دول العالم تقريبا، فبعد جائحة كورونا وما ارتبط بها من اضطراب في سلاسل التوريد العالمية، وما أعقبها من اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية وازدياد حدة التنافس الجيوسياسي على المستوى العالمي، وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا من جانب والصين من جانب آخر، كل هذا صب في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع مستويات المعيشة في كثير من دول العالم.

لكن هذا لا ينفي أن للمشكلة أوجها اقتصادية واجتماعية خاصة بجنوب إفريقيا، ما يجعل من الأزمة المعيشية تحديا حقيقيا يلقي بظلال وخيمة على المستقبل الاقتصادي للبلاد.فعدم المساواة والفقر والبطالة مشكلات ينخر بشكل عنيف في الهيكل الاقتصادي لجنوب إفريقيا.

ووفقا لتقديرات البنك الدولي فإن البلاد هي الأكثر تفاوتا وعدم مساواة في العالم. أما عن البطالة فحدث ولا حرج حيث بلغ معدل البطالة 33 في المائة وهذا هو أعلى معدل للبطالة على مستوى العالم.

هذان التحديان ونتيجة لأبعادهما الاجتماعية الخطيرة، يجعلان من أزمة المعيشة في جنوب إفريقيا تحديا شديد الخطورة.

من جهتها، تؤكد الدكتورة أورلا جورن أستاذة الدراسات الإفريقية في جامعة أدنبرة أن جنوب إفريقيا تتمتع بقطاع زراعي متطور، لكن القطاع يمر بأوضاع اقتصادية غير طيبة، وخلال الربع الأول من هذا العام انكمشت الزراعة وصيد الأسماك والغابات بنسبة تتجاوز 12 في المائة، لتكون بذلك أكبر عائق أمام النمو.

وتقول “يضاف إلى ذلك أن أسعار المواد الغذائية كما هي الحال في عديد من الأسواق الأخرى ليست محصنة ضد التطورات الخارجية، خاصة أن البلاد تعتمد على الواردات لتلبية الطلب المحلي على المنتجات والمدخلات الزراعية الرئيسة، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار السلع الرئيسة العالمية، فجنوب إفريقيا تغطي نحو 50 في المائة من احتياجاتها من القمح و80 في المائة من احتياجاتها من الأسمدة بالاستيراد من الأسواق العالمية، ورغم اكتفاء البلاد ذاتيا من الذرة التي تعد عنصرا غذائيا مهما لكثير من السكان، فإن أسعار الذرة ارتفعت بنحو 37 في المائة خلال الفترة من مايو 2021 إلى مايو هذا العام”.

وتشير إلى أن التضخم الذي تشهده أسعار المواد الغذائية في جنوب إفريقيا يعود إلى الاعتماد الكبير على الواردات وتراجع قيمة العملة المحلية.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود ارتفاع أسعار المواد الغذائية فحسب، فجنوب إفريقيا هي البلد الأكثر تصنيعا في القارة، إلا أن القطاع الصناعي يواجه وضعا صعبا للغاية نتيجة أزمة الكهرباء التي تشهدها البلاد، حيث ينقطع التيار الكهربائي لنحو عشر ساعات يوميا وذلك نتيجة تعطل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم.

ويعتقد كثير من الخبراء أن نقص إمدادات الكهرباء قيد نمو جنوب إفريقيا اقتصاديا لأعوام، عبر زيادة تكاليف التشغيل، فكثير من المصانع والشركات تعتمد على مولدات الديزل المكلفة، كما أن نقص الكهرباء أثر في البنية التحتية في قطاعات حيوية مثل المياه وتكنولوجيا المعلومات وأعاق تقديم خدمات ضرورية مثل التعليم والصحة، ولا يتوقع أن تنجح جنوب إفريقيا في التغلب على تلك المشكلة في القريب العاجل، بل إن بعض التقديرات تشير إلى تفاقم المشكلة هذا الشتاء.ومع تزايد المخاوف من الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تضعضع شبكة الكهرباء في البلاد، وجه أصحاب مجموعة من أكبر متاجر التجزئة رسالة إلى الرئيس سيريل رامافوسا في فبراير الماضي جاء فيها “إذا استمرت هذه الأزمة، فلن نتمكن من ضمان إمدادات مستقرة من الغذاء والأدوية والسلع الأساسية الأخرى”، وتأخذ القضية منحنيات مقلقة في ظل تقديرات بأن انقطاع التيار الكهربائي العام الماضي أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7 - 8 في المائة، وقد يكون تأثيره أكثر ضررا هذا العام.ومع استمرار الأوضاع المعيشية الصعبة وأزمة الكهرباء وانعكاسها على كثير من القطاعات وفي مقدمتها القطاع الصناعي، وضعف النمو الهيكلي فقد تفاقمت التحديات الاجتماعية والاقتصادية، ورغم أن جنوب إفريقيا نجحت في استعادة ناتجها المحلي الإجمالي لما قبل وباء كورونا فإنها لم تفلح في الوصول إلى المستوى ذاته من التوظيف.

بدورها، تقول سوزان كفيلهاوج الاستشارية السابقة في منظمة العمل الدولية “في نهاية الربع الثاني من هذا العام كان هناك 74 ألف وظيفة أقل في جنوب إفريقيا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل وباء كورونا، ونسبة البطالة بين الشباب تصل إلى 50 في المائة وبين النساء كبيرة للغاية، ويوجد ذلك حالة عنيفة من عدم المساواة في البلاد وتعد الأعلى في العالم، كما أن ارتفاع معدلات البطالة يؤدي إلى تفشي الفقر وبلوغه مستويات مقلقة للغاية، فمعدل الفقر في العام الماضي وصل إلى نحو 63 في المائة، وذلك على أساس خط الفقر في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل التي تنتمي إليها جنوب إفريقيا، والنتيجة زيادة الطلب على الدعم الحكومي”.

وتضيف “ومع زيادة الإنفاق الحكومي، يتفاقم العجز في الميزانية العامة وسيراوح بين 6 و6.5 في المائة هذا العام، هذا الوضع يزيد معدلات الاستدانة وفي أغسطس الماضي بلغ الدين الحكومي 266.9 مليار دولار أمريكي، وبذلك يكون كل فرد في جنوب إفريقيا مدينا بما يزيد على 3700 دولار، ومنذ بداية العام المالي الحالي بلغت تكلفة خدمة الدين نحو 18 في المائة من الإيرادات وسترتفع إلى 25 في المائة في العام المالي 2025 - 2026”.

في مثل تلك الأوضاع القاتمة تصبح المناداة بالإصلاح الاقتصادي شعارا يرفعه الجميع، لكن الأمر لا يعد سهلا، فتفشي الجريمة يجعل عملية الإصلاح شديدة الصعوبة، وفي 2019 تعطل 183 مشروعا وطنيا في مجال البنية التحتية بسبب مافيا البناء وقد تمت سرقة الكابلات من شركة الكهرباء والسكك الحديدية، ما كلف الاقتصاد الوطني عشرات المليارات من العملة المحلية، وارتبط الفساد بعمليات غسل أموال واسعة النطاق ووضعت جنوب إفريقيا على القائمة الرمادية في هذا المجال، ما يعني أن المصارف والسلطات هناك باتا يخضعان لمزيد من التدقيق الدولي. مع هذا يرى بعض الخبراء أن هناك ضوءا في نهاية النفق الاقتصادي لجنوب إفريقيا.

ويعلق أندر ريمر الباحث في الاقتصاد الدولي قائلا “التحدي الأكثر وضوحا الذي يواجه جنوب إفريقيا هو نقص الطاقة، وهناك مجالات متعددة لم تعد لدى الدولة القدرة على العمل فيها، وهنا يتدخل القطاع الخاص من خلال الاستثمار، لكن بروز النتائج يتطلب وقتا، كما أن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى تنهض قدرات القطاع الخاص وتعمل”.

ويضيف “النمو الاقتصادي في جنوب إفريقيا يعتمد على عائدات الصادرات، وعليه يجب إعطاء الأولوية لدعم المبادرات التي تعزز الصادرات أو توليد عائدات الخدمات، لكن هذا وحده لن يكفي فتحفيز النمو الاقتصادي يتطلب مزيدا من الاستثمار الأجنبي، ورغم أن جنوب إفريقيا تمتلك مقومات اقتصادية ضخمة، فإنها لا تزال في حاجة إلى بث الثقة لدى المستثمرين الأجانب بحسبانها واجهة استثمارية مربحة على المدى الطويل”.

يشار إلى أن حكومة جنوب إفريقيا أعلنت الثلاثاء الماضي أنها تخطط لزيادة إنتاجها من الطاقة النووية.وتمتلك البلاد محطة واحدة فقط للطاقة النووية، وهي الوحيدة في القارة لكن مصنع Koeberg، بالقرب من كيب تاون، يعمل بنصف طاقته فقط.

وأعلنت الحكومة أنها بدأت مناقشات مع “عديد من الموردين المحتملين” للاستحواذ على وحدات إنتاج جديدة. يمكن أن تكون هذه المفاعلات التقليدية أو المفاعلات النمطية الصغيرة، التي هي أقل قوة لكنها أيضا أقل تكلفة.

وقال زيزاميلي مبامبو، المسؤول عن الطاقة النووية في وزارة الطاقة، في مؤتمر صحافي إنه يأمل في رؤية أول مفاعلات في الخدمة بحلول 2032 - 2033.

وشدد كجوسينتشو راموكجوبا وزير الكهرباء على أنه “معلم مهم”، الذي من شأنه أن يجلب 2 ميجاواط إضافيين من قدرة توليد الكهرباء.تم إغلاق وحدة واحدة في محطة Koeberg للطاقة النووية لمدة عام تقريبا لإطالة العمر المتوقع لمدة 20 عاما. وتم إغلاق الوحدة الثانية الأسبوع الماضي للصيانة.

ويواجه قطاع الكهرباء في البلد الإفريقي تحديات كثيرة بسبب الانقطاع المستمر للتيار، إذ يعتمد على المحطات القديمة العاملة بالفحم، وهو ما دفع الحكومة إلى التوجه نحو التوسع في توليد الكهرباء من خلال الطاقة المتجددة.

ويعتزم تحالف تقوده شركة “توتال إنرجي” تعزيز قدرات الطاقة المتجددة في جنوب إفريقيا عبر بناء محطة جديدة انتهى من الإغلاق المالي بشأنها، وفقا لبيان صادر عن الشركة الفرنسية أمس الأول.

تقع المحطة الجديدة في مقاطعة نورثرن كيب بجنوب إفريقيا، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 216 ميجاواط.وقالت شركة توتال إنرجي إنه بعد الانتهاء من مرحلة الإغلاق المالي للمشروع الجديد من المقرر بدء تشغيل المحطة في 2025.

وأوضحت الشركة أن المحطة تشمل أيضا إنشاء قدرات تخزينية تبلغ 500 ميجاواط، وهو ما يعد إضافة قوية لمجال الطاقة المتجددة في جنوب إفريقيا.

وتقود شركة توتال إنرجي التحالف -مطور المشروع- إذ تمتلك حصة قدرها 35 في المائة، في حين تتوزع الحصص المتبقية على شركتي “هيدرا ستوردج هولدنج”، و”رياتيل رينوبيلز”، بواقع 35 و30 في المائة على التوالي.

وقال فنسنت ستوكوارت، نائب الرئيس الأول لقسم الطاقة المتجددة في توتال إنرجي، إن محطة الطاقة المتجددة الهجينة، التي تضم محطة للطاقة الشمسية ونظام تخزين بقدرة 500 ميجاواط/ساعة، توفر الكهرباء المتجددة باستمرار للشبكة الوطنية بعد انتهاء ساعات النهار.

وأشار مرفق الكهرباء الحكومي، إسكوم، إلى أنه يمكن لكل ميجاواط أن تزود 650 منزلا متوسطا بالكهرباء، ما يعني أن المحطة المخطط لإنشائها يمكن أن توفر الكهرباء لنحو 140 ألف أسرة.

أعلنت الحكومة، العام الماضي، أنها تستهدف زيادة حصة الطاقة المتجددة في جنوب إفريقيا من 11 إلى 41 في المائة بحلول 2030.

وتركز الخطة الحكومية على زيادة مشروعات الطاقة الشمسية في جنوب إفريقيا وكذا مشروعات طاقة الرياح، وسط الطلب المتزايد على الكهرباء في البلاد، وفقا لما رصدته منصة الطاقة المختصة.

وأطلقت جنوب إفريقيا، الخميس الماضي، ثلاث جولات من العطاءات لتوليد 7615 ميجاواط من القدرات الكهربائية من الطاقة المتجددة والقدرات التخزينية إلى جانب استعمال الغاز الطبيعي أيضا لمحطات التوليد، بوصفه جزءا من حملتها للتغلب على أزمة الكهرباء التي ضربت اقتصادها.

وقال جويدي مانتاشي وزير الطاقة الجنوب إفريقي، في رد مكتوب على المشرعين وزعه البرلمان الخميس إن 90 مشروعا للطاقة المتجددة اكتملت حتى الآن وبدأ التشغيل بها، ما أضاف 6180 ميجاواط من القدرات الكهربائية إلى الشبكة، أي نحو ربع الطلب الحالي للبلاد.

وأضاف أن تسعة من مشروعات الطاقة المتجددة في جنوب إفريقيا بقدرات تزيد على ألف ميجاواط قيد الإنشاء حاليا.


٠ تعليق
bottom of page