top of page

افتقار البنية التحتية ومخاوف الديون..الاستثمارات الخضراء في الدول النامية حلم بعيد المنال

في قمة المناخ الأخيرة التي عقدت في الإمارات ركز المشاركون بشكل رئيس على قضية تعزيز الاستثمار في البلدان النامية.


افتقار البنية التحتية ومخاوف الديون..الاستثمارات الخضراء في الدول النامية حلم بعيد المنال

وخلال المؤتمر ضرب الخبراء عشرات ومئات الأمثلة على مشروعات متعددة للطاقة المتجددة يمكن أن تكون جذابة لمستثمري القطاع الخاص، لكن لم يكن ذلك هو التحدي الوحيد الذي واجه المشاركين في القمة بمختلف أطيافهم، فإحدى القضايا الشائكة ارتبطت بالكيفية التي يمكن من خلالها إيصال الأموال إلى البلدان منخفضة الدخل لمساعدتها على التكيف مع التغييرات المناخية.


وفقا لتقديرات الأمم المتحدة فإن المستقبل الأخضر سيظل بعيد المنال إذا لم يساعد العالم البلدان النامية على سد فجوة قدرها تريليونا دولار من الاستثمارات المطلوبة للتحول إلى الطاقة النظيفة، وأربعة تريليونات دولار في استثمارات التنمية المستدامة. ورغم تضاعف الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة ثلاث مرات تقريبا منذ اعتماد اتفاق باريس قبل نحو ثمانية أعوام، فقد تم استبعاد الدول الفقيرة إلى حد كبير، وأكثر من 30 دولة نامية لم تسجل استثمارا دوليا واحدا في توليد الطاقة المتجددة منذ اعتماد معاهدة تغير المناخ التاريخية عام 2015، ولم يتجاوز حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في الطاقة النظيفة الذي اجتذبته البلدان النامية في العام الماضي مبلغ 544 مليار دولار وهو أقل بكثير من احتياجاتها.


وإذا كانت قضية مساعدة البلدان النامية لمواجهة التحديات المناخية قضية محورية، فهي لا تعد يسيرة بأي حال من الأحوال، فالحكومات وحدها لا تستطيع تغطية الاحتياجات التي تقدر بتريليونات الدولارات والمطلوب توفيرها لمساعدة البلدان النامية على تطوير بنيتها في مجال الطاقة المتجددة للتعامل مع ارتفاع درجات حرارة الكوكب. وهذا يدعو إلى قيام القطاع الخاص بدور متزايد في هذا المجال الاستثماري، ولكن إلى أي مدى تعد الاستثمارات في مجال البنية التحتية للطاقة المتجددة ذات جاذبية للقطاع الخاص؟ وحتى إذا تم توفير تلك التريليونات من الدولارات الأمريكية فإن القضية الأكثر خطورة، وربما إلحاحا، هل تمتلك الاقتصادات النامية القدرة على استيعاب الأموال التي تعهد المانحون خلال القمة بضخها في تلك الاقتصادات، وهل تمتلك البلدان النامية آليات اقتصادية تؤهلها لاستيعاب هذا الحجم الضخم من المساعدات، وماذا إذا أربكت تلك التريليونات أو حتى المليارات المتدفقة الاقتصادات الفقيرة نتيجة عدم جاهزية مؤسساتها الاقتصادية والمالية لاستيعاب تدفقات مالية بهذا الحجم؟ في الوقت الحالي تعكف مجموعة من الدول الغنية على إعداد خطة لضخ مزيد من الأموال سنويا إلى البلدان النامية للمساعدة على مجال التغير المناخي، ولا شك أن ذلك يمثل طوفانا من الاستثمارات الأجنبية، حيث تقوم المؤسسات الاستثمارية الكبرى بالدور الرئيس في تحديد المسارات الخاصة بكيفية استثمار تلك الأموال، وسيكون هدفها الرئيس توفير التمويل على نطاق واسع لمشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية لحماية الدول الفقيرة، خاصة الجزر من ارتفاع منسوب مياه البحر والجفاف وغيرها من ظواهر الاحتباس الحراري.


من جهتها، تقول لـ"الاقتصادية"، الدكتورة باربرا بلدينج أستاذة التنمية الدولية في جامعة كارديف: "التدفقات الرأسمالية الضخمة دون أن تكون هناك بنية مالية واقتصادية جاهزة لاستقبالها تكون أضرارها الاقتصادية شديدة الخطورة. الدول الفقيرة ذات الاقتصادات المحدودة من حيث الحجم أو التنوع تفتقر لتلك المؤسسات، وحتى إن توافرت بعض تلك المؤسسات فإنها تفتقر إلى القدرة على توجيه الأموال إلى الاستثمار الإنتاجي، وفي الأغلب ستقع تلك الأموال في فخ الاستثمار الاستهلاكي، وسترفع من معدلات التضخم المحلي. الأمر يتطلب تفكيرا متأنيا للغاية فيما يتعلق بكيفية هيكلة التمويل".


تتعرض وجهة النظر تلك لانتقاد حاد من عدد كبير من أنصار البيئة، ويرون فيها وسيلة من البلدان المتقدمة وتحديدا الولايات المتحدة لعدم تنفيذ التزاماتها الدولية المالية بمساعدة البلدان الفقيرة، ورغم عدم إنكار هذا التيار للملاحظات الخاصة بضعف بنية المؤسسات المالية في البلدان النامية، وعدم قدرتها على استيعاب تدفقات استثمارية ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة، إلا أن ذلك لا ينفي وجود عديد من الحلول للتغلب على تلك المشكلة.


بدوره، يقول لـ"الاقتصادية"، أدام كونار الخبير الاقتصادي الاستشاري السابق في الأمم المتحدة: "إرسال هذه الأموال على شكل أسهم بدلا من الديون، يقلل الأخطار التي تواجه الدول الفقيرة من تدفق ضخم لرؤوس الأموال في الأمد القصير، كما أنه يربط المستثمرين الأجانب بمشروعات الطاقة المتجددة في تلك البلدان على المدى الطويل".


ويضيف: "لكن هذا سيتطلب بالطبع مزيدا من الاستقلالية القانونية للمؤسسات الاقتصادية والمالية في البلدان النامية، لتشعر رؤوس الأموال الأجنبية بالأمان، وبأن الحكومات لن تتعسف في التعامل معها في لحظات الأزمات الاقتصادية".


مع هذا فإن تيار الخبراء الغربيين الذي يعرب عن مخاوفه بشأن التأثير السلبي لتدفقات مالية ضخمة على البلدان النامية لمساعدتها على مواجهة تحديات التغيير المناخي دون أن تكون مؤهلة ماليا واقتصاديا لاستيعاب تلك الاستثمارات، يرى في تقلب العملات المحلية لأغلب الاقتصادات النامية دليلا آخر على أخطار تلك التدفقات النقدية.


من ناحيته، يقول لـ"الاقتصادية"، ساندرسن ولينجتون الخبير الاستثماري، "يشكل تقلب العملات في العالم النامي مشكلة أخرى، فعادة تبنى مشروعات الطاقة المتجددة في الاقتصادات النامية عبر الاعتماد على الديون المقومة بالدولار أو اليورو، وحصة المساهم الأجنبي في هذه المشروعات تكون بالعملة الأجنبية، تلك الالتزامات الضخمة بالعملات الأجنبية توجد لاحقا أزمات مالية نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية، ما يزيد أقساط فوائد الدين، كما أن زيادة الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة كما حدث العام الماضي يرفع تكاليف الاقتراض في الدول الفقيرة".


مع هذا فإن تجربة الاقتراض بالعملة الأجنبية في الدول الفقيرة تكشف أن المشكلة تبرز بشكل حاد عندما تكون الديون قصير الأجل أو في استثمارات يمكن أن تغادر البلاد سريعا فيما يعرف بالأموال الساخنة.


بدوره، يؤكد لـ"الاقتصادية"، كامبل سلتر الخبير المصرفي أن "الحل يكمن في إنشاء صندوق مالي يساعد على تقديم ديون ميسرة للغاية للدول النامية بفائدة منخفضة ولآجال زمنية طويلة، مع ضمانات للتعامل مع الانخفاضات التي تحدث في قيمة العملة المحلية، هذا يضمن تخفيف مخاوف المستثمرين، ومن جانب آخر يساعد على الحد من عدم الاستقرار الناجم عن سحب المساهمين الأجانب أموالهم مع كل هزة مالية تحدث في البلدان النامية".


يفتح هذا الجدل الباب على مصراعيه على ما يعده البعض خذلانا اقتصاديا أمريكيا للجهود العالمية في قضايا المناخ، فبينما يصر المسؤولون في إدارة الرئيس بايدن على التزام الرئيس الأمريكي بتأمين المساعدات المناخية للعالم النامي، وتنفيذ تعهده بتقديم 11.4 مليار دولار سنويا مساعدات مناخية بحلول عام 2024، على أن تقدم إداراته عام 2023 نحو تسعة مليارات دولار أمريكي، وأن يتم تخصيص الجزء الأكبر من هذه الأموال من خلال صناديق المناخ متعددة الأطراف، إضافة إلى القروض وغيرها من أشكال التمويل لمشروعات الطاقة النظيفة أو من خلال وكالات أمريكية مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية. فإن السؤال الأكثر تعقيدا وإلحاحا في الوقت ذاته، هل يمكن للولايات المتحدة ومع دخولها عام الانتخابات الرئاسية أن تلتزم فعلا بتنفيذ ما تعهدت به، وما موقف الإدارة المستقبلية خاصة إذا خسر الديمقراطيون الانتخابات الرئاسية فهل سيلتزم خصومهم إذا ما تولوا السلطة بوعد إدارة بايدن، وحتى إذا ما فاز الديمقراطيون فهل يمكنهم المضي قدما في تحقيق ما تعهدوا به في ظل كونجرس منقسم على ذاته، وسيطرة الجمهورين على مجلس النواب؟


من جهتها، تقول لـ"الاقتصادية"، الدكتورة كلير بالدينج أستاذة العلوم السياسية في جامعة مانشستر الاقتصادية: "المشكلة في قضية المناخ أن الولايات المتحدة ليست شريكا موثوقا به بالنسبة لكثيرين، وعديد من المشرعين في الولايات المتحدة ليس لديهم قناعة بقضايا التغيير المناخي، ولا يريدون إنفاق أي أموال على تلك القضية، ويحاولون أن يجدوا مبررات لوقف التمويل، بدءا من طرح شكوك حول الفكرة ذاتها بأن المناخ يتغير، أو التقييم المبالغ فيه في حجم البيروقراطية والفساد داخل المنظمات الدولية المعنية بهذا الملف وفي مقدمتها الأمم المتحدة، أو بروز تيار من أقصى اليمين الأمريكي يدعي أن الدول النامية لا يوجد لديها قدرة حقيقية للاستفادة من المليارات التي ستضح في اقتصاداتها للتحول إلى الطاق المتجددة".


وتضيف: "دون إبراز الولايات المتحدة جدية حقيقية في التعامل مع الجوانب التمويلية لقضية التغيير المناخي، وتمويل قوي وسريع للبلدان النامية والفقيرة عبر الربط بين قضية التنمية والتخلص من الديون والمناخ، فإن الجهود الدولية للتصدي للتغير المناخي لن تؤتي أكلها".

٠ تعليق
bottom of page