top of page

الأغنية الفلسطينية التراثية.. وثيقة للحضارة

الأغنية الفلسطينية غنية جداً ومتنوعة، ويعود بعضها إلى آلاف السنين. ما صلتها بأغاني بلاد الشام؟ ولماذا يجب التذكير بها اليوم؟

عرس فلسطيني في عكا عام 1937
عرس فلسطيني في عكا عام 1937

لا شكّ في أن وجود أغنية "لعقدة البيت" (ختام بناء القوس في المنزل الفلسطيني)، يفترض بالضرورة أن بناء المنازل بدأ في هذا المكان منذ آلاف الأعوام، لتحظى هذه المناسبة بأغانٍ خاصة.

وكذلك الحصاد، وقطاف الزيتون، والعرس، والولادة، واستقبال الأحبة بعد غيبة، والكثير الكثير من تفاصيل الحياة الفلسطينية، التي تزهر على سطح الحضارة كتفتّح زهرة اللوتس على صفحة مياه نهر هادئ.

هنا، لا يمكننا إلا أن نُدهش بهذا العمق الحضاري الذي تختزنه الأغنية التراثية الفلسطينية، ومظلتها الأوسع المتمثلة بالأغنية التراثية في بلاد الشام.

يعود تاريخ بعض الأغاني الفلسطينية التراثية (أو أغنية بلاد الشام عموماً) إلى آلاف الأعوام. ولا يُعرف لها ملحن أو كاتب. صيغَ معظمها على الأجناس النغمية السورية السبعة الأساسية (صبا، نهوند، عجم، بيات، سيكا، حجاز، راست).

وتتضمّن المفردات التي أبت أن تموت، فتسللت إلى اللغة العربية المحلية في كل المنطقة كالأسماء القديمة للمناطق المذكورة في الأغاني، وكأسماء بعض الأنماط الغنائية المستمرة إلى الآن، كالعتابا والموليا والدلعونا ومواويل أم الزلف. إذا ركّزنا على الأغنية الفلسطينية بالتحديد، فإننا سنلاحظ بصورة مباشرة خصائص عامة لها.

أولى هذه الخصائص أنها أغنية أنثوية بامتياز، لأن المرأة الفلسطينية خلقت الجزء الأهم والمميّز منها، بحكم كونها أماً أو زوجة أو حبيبة أو أختاً أو جدّة. فهي إما تهدهد طفلها في السرير، أو تشكو فراق زوجها الشهيد أو السجين، أو فتاة تغازل حبيبها، أو جدة تغني لأحفادها وتروي لهم خلاصات التجربة الطويلة.

وهذا ما أدى إلى اتصاف الأغنية الفلسطينية بمواصفات أنثوية كثيرة، أهمها الترميز العميق الذي وصل إلى حد التشفير، والمواربة والعاطفية والتعلق بالأرض والطبيعة، وكل ما له علاقة بالعطاء والحب. وهنا يبرز أمامنا تنوّع ثريّ في الأغنية من حيث الموضوع.

تناولت الأغنية الفلسطينية مواضيع كثيرة جداً تتعلق بالنشاط الإنساني في تلك البقعة، فمن أغاني العمل إلى الأغاني العاطفية والتراويد (مولاله، تهاليل، مهاهاة، أغاني سفر برلك)، والأغاني الوطنية والتراتيل الدينية. وقد نجد كثيراً من الأغاني التي تجمع أكثر من مضمون في الوقت نفسه.

أغاني العمل: الزراعة، الصيد، البناء

عائلة فلسطينية تحضّر مؤونتها من الزيتون
عائلة فلسطينية تحضّر مؤونتها من الزيتون

أكثر الأغاني التي ورثها الفلسطينيون هي أغاني العمل، إذ من البديهي أن من سكن هذه البقعة لم يعتمد فقط على هبات الطبيعة فيها، بل أضاف إليها قيمة مضافة في العمل. فنجد أغاني الأعمال الزراعية كالحصاد، مثل "منجلي يا من جلاه"، بحيث تقول كلماتها: "منجلي يا من جلاه، راح للصايغ جلاه، ما جلاه إلا بعلبة، ريت هالعلبة دواه، منجلي يا أبو رزة شو جابك ع غزة، جابني حب البنات والعيون الناعسات".

ولحن هذه الأغنية بسيط جداً، بحيث يستطيع "الحاصود" غناءه حتى في أثناء العمل، فكل شطر تتناوبه نوتتان متتاليتان متساويتان في المدة، وإيقاع ثنائي ثابت يتلاءم مع حركة حصد السنابل عبر المنجل.

ونجد أن كلمات هذه الأغنية نفسها تقريباً تتردّد في حقول الرقة وحوران، لكن كل يرددها بنكهته الخاصة، لأن الحصاد كان عملاً يجمع الناس من كل هذه المناطق أحياناً، إذ كان من الممكن أن يقوم الفلسطيني بالعمل في الحصاد في حوران ولبنان ودمشق والعكس صحيح.

ولا ننسى أغاني قطاف الزيتون، وفيها غزل بشجرة الزيتون التي تُعَدّ رمزاً لتلك البقعة المباركة، كما تتضمن أغاني "العونة" التي تشجّع على تعاون كل أهالي القرية في القطاف. ومثالها أغنية "يا ديتي"، التي تقول: "يا دَيْتي يا ديتي الحَزَم لزَم، عاونيني اليوم وإلا أنا برزم (ألتزم)"، وهي تغنى غالباً على مقام العجم، الذي ينتشر أكثر في مناطق الأشجار المثمرة.

أما أغاني الساحل وصيد السمك فمعظمها يبدأ بعبارات الصلاة على النبي، والابتهال من أجل السلامة من مخاطر البحر والرزق الوفير، وعودة الصيادين سالمين غانمين. كما تتضمن أغاني الصيد موضوع "الوعد"، إما بإيفاء الديون، وإما بالتقدّم إلى خطبة فتاة إذا كان الصيد وفيراً.

تقول كلمات إحدى الأغاني: "وين قاصدين؟ باب الله الكريم، صلي عالنبي صلي، يا نبينا يا هيه، تشفع لينا يا هيه، في مكة والمدينة يا هيه، كل ما تشد المحامل للنبي قلبي يهيم، لاسعى وزور النبي، وارمي حمولي عليه".

وأثّر مزاج البحر وتقلباته في نوعية المقامات والإيقاعات. ففي أغنية "عندك بحرية" مثلاً، والتي تُعَدّ من الأغاني القديمة جداً، والتي تعبّر عن حال الصياد في رحلة صيد طويلة، يشتاق فيها إلى الحبيبة، فيقول للريس في محاولة خجولة لإقناعه بالرجوع إلى البر: "عندك بحرية يا ريس، صافيين النية يا ريس، البحر جبال، وهني عالبال، البحر جبال، انقطعت الحبال، البحر كبير، وأنا وسط المية، البحر كويس يا ريس، وصلني حبيبي".

ونلاحظ أن هذا اللحن يحلّق بدايةً في منطقة مقام البيات، وعندما يبوح الصياد للريس برغبته في العودة إلى البر (البحر كويس وصلني حبيبي)، ينزل اللحن إلى درجة القرار من مقام البيات، وهذا ما يعبّر عن خجل الصياد وحرجه بشأن طلبه هذا.


التراويد

نساء يحملن أطباقاً على رؤوسهن وهن في طريقهن إلى وليمة في أحد الأعراس في رام الله
نساء يحملن أطباقاً على رؤوسهن وهن في طريقهن إلى وليمة في أحد الأعراس في رام الله

تضم التراويد تحت مظلتها أنواعاً كثيرة من الأغاني، تحتاج إلى بحث مفصل وحدها. فقد لا يعلم الكثيرون أن أغنية "لرسل سلامي لسالم، ما حدى من العشق سالم" هي أغنية مهد (تهليلة) انتهزت الأم خلالها الفرصة في البوح بمكنونات عشقها لسالم، حبيبها الذي لم تتزوج به، بسبب إجبارها على الزواج برجل آخر كاد يقتلها عندما شاعت الأغنية.

يحتاج التراث الفلسطيني الغنائي إلى كثير من البحوث والتوثيق والتحليل والتجديد، لأنه ثروة الشعب الفلسطيني، الذي حاول الصهاينة سرقته من أجل انتحال مشروعية مستحيلة. وهو ما قام به العدو الصهيوني في الواقع، فلقد سرق كثيراً من الأغاني الفلسطينية، ووضع لها كلمات بالعبرية، كأغنية "لا تطلعي من بويتك والهوا شمالي"، لكنه حتى الآن يفشل في التزوير والسرقة للثقافة والحضارة الفلسطينية، كفشله في الاستمرار على أرض فلسطين ليحل عقدة الثمانين لديه.

الأغنية الفلسطينية غنية جداً ومتنوعة، ويعود بعضها إلى آلاف السنين. ما صلتها بأغاني بلاد الشام؟ ولماذا يجب التذكير بها اليوم؟

٠ تعليق
bottom of page